الشيخ محمد زاهد الكوثري

193

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

إلا بخلقنا . وذلك أن الجسم لا يخلو من حركة ، أو سكون ، أو كفر ، أو إيمان ، أو طاعة ، أو معصية ، فصحّ أن جميع الذوات مشتركة الخلق بين العبد وبين الرب ، وأنه لا يتم خلق أحدهما إلا بمخلوق الآخر ، وهذا شرك ظاهر ، نعوذ باللّه منه . دليل آخر من جهة العقل : وأنه لا خالق إلا اللّه ، لأن الخالق الصانع أقل ما يوصف به علمه بخلقه ، كما قال : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [ الملك : 14 ] ونحن نجد الواحد منا يفعل ما لا يعلم فعله فيه ، ولا يحصره ولا يعده بقدرة ، حتى إن الواحد منا يريد أن يتكلم صوابا فيرمى خطأ ، إلى غير ذلك ، فيفعل ما لا يعلمه ولا يريده ، وأيضا الواحد منا إذا خرج إلى المسجد حتى وصل إليه ، فعند المخالف أن كل خطوة خطاها خلقها وأنشأها ، ولو سئل عن عدد كل خطوة خطاها لم يدر ما يقول ولا يعلمه ولا يعرفه ؛ فلم يبق إلا أن الخالق لأفعالنا وأكسابنا هو اللّه تعالى الذي يعلمها ، كما قال : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [ الملك : 14 ] . دليل آخر من جهة العقل : وهو : من شرط الخالق للشيء أن يكون قادرا على خلق الشيء وضده ، فإن من يقدر على خلق الحياة يقدر على خلق ضدها ، وهو الموت ، وكذلك من يقدر على خلق التفريق في الجسم يقدر على خلق الاجتماع له ، حتى يعود كما كان جسما مؤلفا ، ولما وجدنا أحدنا لا يقدر على ذلك صحّ أنه غير خالق ، ولما وجدنا الخالق تعالى يقدر على خلق الشيء وضده دلّ على أنه هو الخالق لا خالق سواه ، وقد قيل عن الشيخ الإمام أبي بكر بن فورك « 1 » رضي اللّه عنه أنه كان مع إسماعيل المعروف بالصاحب في بستان ، وكان يعتقد شيئا من ذلك ، فأخذ سفرجلة وقطعها من الشجرة ، وقال له : ألست أنا قطعت هذه السفرجلة ؟ فقال له رضي اللّه عنه مجيبا : إن كنت تزعم أنك خلقت هذه التفرقة فيها فاخلق وصلها بالشجرة حتى تعود كما كانت . فبهت وتحير ولم يقدر على جواب . وبلغني أيضا أن بعض القدرية وقف على إحدى رجليه وشال الأخرى ، وقال : ألست أنا رفعت هذه وحططت هذه ؟ فقال له بعض أهل السنة : إن كنت تزعم أنك خلقت الشيل في هذه المشتالة فاخلق الشيل في الأخرى حتى تصير مشتالة معها ، فبان له الحق ورجع عن قوله الباطل .

--> ( 1 ) زميل المؤلف في عهد طلبه العلم عند الباهلي ، وإن كانا متباعدي الدار في عهد إمامتها ونشرهما العلم ، ونوّه بجواب ابن فورك هنا كما بلغه تقديرا لصاحبه كما هو شأن الإخلاص في العلم ( ز ) .